وقفات مع ماذا بعد رمضان؟

وقفات مع ماذا بعد رمضان؟
وقفات مع ماذا بعد رمضان؟

من استفاد من مدرسة رمضان فأثر رمضان لا يظهر في رمضان وإنما يظهر في أيام العام

بدر بن سالم العبري
رمضان فترة زمنيّة كأي فترة زمنيّة لها بداية ولها نهاية، الّذي كتب الصّيام فيه هو الله سبحانه وتعالى لا شريك له، فعظمته من تعظيم الله له، ولهذا سنجد من لطافة القرآن الكريم أنّه يختم آيات الصّيام بقوله تعالى:)تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(، وأصل الحدّ في اللغة هو الحاجز بين شيئين لئلاّ يختلط أحدُهما بالآخر، وحدّ الشَّيء تعريفه الجامع لكلّ أفراده، المانع لكلّ ما ليس منه، ومنه قيل في حدّ التّعريفات أن تكون جامعة مانعة، وعند المناطقة الحدّ هو القول الدّال على ماهِيَّةِ الشّيء، وعند أهل التّفسير الحدّ ما حدَّه الله تعالى بأَوامره ونواهيه، وعند فقهاء الجنايات الحدّ هو عقوبة مقدّرة في الشرع؛ لأجل حق الله تعالى، وعلى العموم الحدود قرآنا هو السّور المتعلق باللّوازم من حيث الفعل أو التّرك، أو هي الدائرة الضّيقة، وذلك لأنّ الأصل في الحياة الدّائرة الواسعة، وهي ما يعبر عنها بدائرة الإباحة، أمّا دائرة الإلزام من حيث الفعل أو التّرك فهي دائرة ضيقة جدا، وفي الوقت نفسه واضحة ومبينة.
وأضاف الله تعالى الحدود إليه فقال:(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، فلم يضفها إلى رمضان أو الصّيام، وفي هذا مقصدان حضاريان عظيمان: أمّا المقصد الحضاريّ الأول فهو الجانب الإخلاصيّ، وذلك لكي يتعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى لا بذات رمضان، فيجتنب المنهيات لأجل رمضان، فإذا ما ذهب رمضان ذهب كلّ شيء، أو حتى في رمضان نفسه، فالله هنا يعطينا دورة توحيديّة لنرتبط به في رمضان وبعده، ورمضان مدرسة للتّوحيد لا لإشراك مع الله مخلوقا زمنيا لا ينفع ولا يضر.
والمقصد الحضاريّ الثّانيّ تفخيم الحدود ذاتها بنسبتها إلى الله سبحانه وتعالى، وهي حدود متعلّقة بمباحات في الأصل أي الطّعام والشّراب والجماع، غير محرمة على البشر، مرتبطة بطبيعة الإنسان وفطرته التي فطر عليها، ومع ذلك نهي عنها ليتربى الإنسان على البعد الفطريّ الطّبيعيّ في لوازم أمر بفعلها، أو لوازم أمر بتركها، تضر عقله ونفسه وعرضه وماله، لتكون الحياة جميعها صياما عن الحدود الّتي أمر الإنسان بتركها أو الالتزام بها إلى أن يلقى الله تعالى.
وناسب هذا المقام أن تكون في نهاية آيات الصّيام، لتكون خاتمة خير لعام يستقبله الإنسان بعد دورة دامت شهرا وقف فيها مع حدود الله تعالى في بعض المباح، لينطلق إلى الحياة أكثر إشراقاً وبناءً وارتباطاً به سبحانه وتعالى.
وكما ختم الآيات بالإشارة إلى الحدود، ختمها بالتّذكير بالتّقوى مرة أخرى وكما أسلفت في كتابي أيام رمضان أنّ التّقوى من العبادات تساوى الصّدق في أدائها، وإظهار أبعادها، وهذا لا يكون بعشرات الرّكع، ومئات السّجود، وإنّما بالأبعاد الناتجة عنها، والمشكّلة للبعد الحضاريّ للأمّة والمجتمع، وقد ذكر الله في كصلة القربى، وإعانة المحتاج، وبعد الصّلة بالله تعالى بالخشوع في الصّلاة، وبعد وفاء العهد والاهتمام بالمواعيد، وبعد الصّبر في جميع الأمور، وخاصة عند العزائم في مواجهة الشّدائد الكبار، كلّ هذه المظاهر من التّقوى تتشكل من العبادات الّتي شرعها الله تعالى، لا مجرد حركات طقوسيّة خاوية على عروشها.
والصيام في حدّ ذاته مدرسة وجامعة للتّقوى، من هنا نجد القرآن يضع سورا متينا يدور حول آيات الصيام، فيفتتحها سبحانه بـ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ويختتم آيات الصيام بـ (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
وعليه أكبر جائزة يرجوها الصّائم من صيامه جائزة التّقوى، وهي هدية الله تعالى ورحمته لعباده، والرّكعات التي ركعها الصّائم في رمضان، والأوراد الّتي رددها، والطّعام والشّراب الّذي تركه كلّ هذا يذهب وتبقى التّقوى.
والتّقوى تظهر وهو يودع رمضان ليكون صورة حية في عيده بداية، وفي عامه ثانيا، ليكون العبد المتواضع الّذي يسخر نفسه لخدمة الآخر بكل ما يستطيع، وبهذه الخاتمة المباركة، والفرحة العميقة في النّفس بإكمال العدّة ليبدأ يوم العيد، وبعدها يظهر الأثر فيمن استفاد حقا من مدرسة رمضان، فأثر رمضان لا يظهر في رمضان وإنما يظهر في أيام العام.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى أنفق ماله على العلاج.. ماذا ستقدم نقابة الممثلين لأسرة محمد شرف؟