بلوك 1

 

بلوك 2

 

بلوك 3

 

بلوك 4

 

بلوك 5

 

في العمق : ماذا يعني أن يكون المتحدث ” رجل دولة”؟

 

 

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية الموقع الذي يشكّله ” رجل الدولة” في العرف الوطني كإحدى الشخصيات السياسية أو الدبلوماسية او العامة البارزة في حياتها المهنية وتحظى باحترام وتقدير اجتماعي، راسم للسياسات الوطنية وصانع لها ويمتلك صلاحية القرار والتأثير والتغيير في كل ما يتعلق باختصاصات القطاع المشرف عليه أو المهمة المسندة إليه كونه ممثلا لجلالة السلطان في قطاعه ومسؤولا أمامه عنه، لذلك يصبح رأيه تعبيرا عن النُهُج التي رسمها مع جهات الدولة المختلفة عن القطاع الذي يشرف عليه، وتصبح تغريداته عبر حساباته في منصات التواصل الاجتماعي أو تصريحاته في مختلف القنوات الإعلاميةأو تقديم محاضرة علمية في قطاعه أو المشاركة بورقة عمل في مؤتمر متحدثا رئيسيا فيه أو معقبّا على نقاشات الحضور، أو مجيبا على التساؤلات المطروحة عليه في استضافة، أو في لقاء حواري معه وغيرها، بمثابة تصريح مباشر ونهج معتبر، يعبّر عن رؤية الدولة وإرادتها والتوجهات التي رسمتها في التعامل مع الملفات والمواقف ذات الصلة، خاصة تلك التي تلامس حياة المواطن اليومية.
وبالتالي أن يمر حديث “رجل الدولة” بفلترات تصحيحية ومناظير متعددة ومراجعات دقيقة تبرز الواقع وتستشرف المستقبل وتقرأ في ظلالهما فرص الوعي وقيم الأداء ومقومات النجاح فيوجهها نحو بلوغ الهدف بدقة متناهية، وفق بوصلة عمل محددة بإطار زماني وعملياتي وتشغيلي واضح، وسياسات تتسم بالعمق والواقعية في طرح البدائل منعا من أي مزايدات أو تفسيرات تتجانب والحكمة المقصودة من اللقاء ومحتواه، حتى يجدها البعض مبررا لتشويه صورة المنجز الوطني أو التعدي على جوانبه المشرقة والخطوط التي رسمها عاهل البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ وهو يتحدث بصورة مباشرة مع المواطنين في جولاته السامية ولقائه بأبنائه طلبة جامعة السلطان قابوس، لتشكل اللغة الخطابية لـ” رجل الدولة” مساحة تأمل وفرصة إعادة صياغة التفكير المشترك الذي ينقل المواطن من سطحية الفكرة إلى عمق التجربة، ومن حالة التشاؤم إلى فتح نوافذ التفاؤل والأمل أمامه، فيما يبرزه من مؤشرات ويقدمه من دلائل ويؤسسه من أرصدة نجاحات قادمة، إنها تعبير عن إرادة وطنية وسلوك جمعي يعكس ثقافة وطنية يتحاور فيها متخذ القرار مع المواطنين لوضع اليد على المشكلة، وأنّ هذا الرأي أو الحل أو سيناريو العمل المقترح معيار تحتكم إليه الرؤية الوطنية في تطوير هذا القطاع أو ذاك، وفق سياسات وطنية أصيلة وتوجهات مؤسسية معتمدة تراعي إنسان هذا مبينات وأولوياته ضامنة لتفوقه ونجاحه.
فإن اللغة الخطابية المتوازنة في حديث “رجل الدولة”، تقوم على حس التعامل مع مقتضيات الخطاب والحكمة فيه وحسن إدارته وضمان كفاءته ودقة محاوره وعظم تأثيره والتهيئة القبلية له، وطريقة عرض محتواه في المنصات التفاعلية لضمان قدرته على إحداث تحول في قناعات المتلقين له والمتابعين لأجندته، باعتبارها قاسما مشتركا يبرز فيها حضوره كشخصية مجتمعية تتحدث عن رؤية وطنية يشارك فيها الجميع ويتفاعل معها المواطن القريب والبعيد، ليصبح الحديث نقطة التقاء أفكار ونضج خبرات تقترب من الاهتمامات وتتواكب مع التغيرات وتستجيب للتوقعات آخذا بيدهم نحو مزيد العطاء وقوة الإنجاز وإدامة العمل واستمرار التضحية في لغة تفاؤليه يعي الجميع مدلولاتها ويدرك مقاصدها ويضعها إطارا له في فهم قيمة مبينات وتجلياته في سلوك المواطن اليومي الذي يتلمس في مواطنيه سمات العطاء والإنتاج في كل مواقع العمل والمسؤولية ويدعوهم إلى التنافس الشريف مع المحافظة على قيم هذا التنافس وخلق فرص متكافئة للوصول إليه في ظل عزم وإرادة وحس وطني، ومعنى ذلك أن مشهد حضور ” رجل الدولة” أمام جمع كبير متعدد الاهتمامات والتخصصات، ينبغي أن يستوعب حلاله كل هذه الاحداث ويتدارك كل المفارقات المتوقعة حتى لا يصبح حديثه تكرار مخل بالموقف أو عبارات تشوه ملامح الإنجاز.
ومع ما أشرنا إليه فإنالطموحات التي نتلمسها في حديث “رجل الدولة ” وخطابه بمختلف الأشكال التعبيرية المتاحة والمواد الإعلامية المستخدمة، لا تعني أن يظل في دبلوماسيته منظّرا للمعلومات، ناقلا للروايات، منمقا لخطابة، أو معترضا على ما يطرحه الواقع من أفكار، غير عارف بما يدور في الساحة الوطنية، متجاهل للتحديات التي يبرزها واقع العمل في قطاعه أو الملفات التي ما زالت مسرح حديث مستمر وحراك مجتمعي ومؤسسي على مختلف المستويات الوطنية، مثل: (مخرجات التعليم المدرسي والعالي، الباحثون عن عمل من العمانيين، والزيادة في اعداد اليد العاملة الوافدة في القطاع الخاص، وتطوير منظومة عمل المواطن في القطاع الخاص، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وسياسات التنويع الاقتصادي، وبرنامج تنفيذ، وقضايا الابتكار الوطني الصناعي والممارسات الاستهلاكية والاقتصادية والتعمين والتشغيل والموازنة المالية والترقيات )، وغيرها من الملفات التي باتت تشكل هاجس أكثر شرائح المجتمع، بل أن يكون عفويا وسلسا غير متكلف، واقعيا في طرحه، عمليا في شواهده دقيقا في مبرراته، واضحا في تصوراته، استراتيجيا في قراراته، متناغما في أسلوبه مع الفئة التي يحاورها أو يتحدث إليها أو ينقل رسالة الحكومة لها، مجربا للواقع، مستفيدا مما يطرحه العالم من آليات ومستجدات في القطاع، مستشرفا موقع عمان في الخريطة العالمية في قطاعه أو مجال حديثه، صاحب خبرة تراكمية مستفيدا منها في رصد مؤشرات التحول الحاصلة، رجل المهمات الصعبة والمواقف النبيلة، يُقرأ في حديثه عمق الشعور برغبة التغيير وزيادة أرصدة النجاح، يمتلك حدس التوقعات بما يمكن أن يُطرح من أسئلة أو يُصاغ من أفكار أو مقترحات أو اعتراضات تحمل في ذات سائلها علامات الحماس أو الاندفاع أو الاستياء أو التفاؤل، فيصف الأشياء بأوصافها، ويسمّي الأسماء بمسمياتها في حكمة حكيم وفقه عالم وإنسانية مشرّع.
وبالتالي أن يبني حديثه على مرتكزات ذات أولوية، كحضور قوي للمؤشرات، ودور أكبر للبيانات والأرقام والإحصاءات العددية، وواقع العمل الحالي، وأبرز التحديات التي يستدعي العمل عليها، والرؤية المستقبلية وقدرتها على استيعاب التحديات ومعالجتها، مع تبني استراتيجية عمل محددة زمنيا، وتوظيف التجارب والخبرات الدولية في تعزيز التوجهات الوطنية، والتعريف بالنماذج الوطنية المجيدة، وأفضل الممارسات وآلية تحويلها إلى استراتيجيات عمل واقعية، وموقع الشباب والمواطن عامة في هذه الجهود وكيف يلمسها في الواقع، وأبرز التحولات القادمة في منظور العمل الوطني، موثّقة بالاستراتيجيات والخطط والعمليات والتوقيتات، واستحضار السياسات والاهداف الوطنية العليا في القطاعات الأخرى ” رؤية عمان 2040) باعتباره إطار يحتكم إليه في الإجابة عن اتجاه رؤية التطوير المستقبلي في القطاعات، والأولويات والاحترازات والضمانات التي تم وضعها في سبيل استدامة التنفيذ لها، بالشكل الذي يكشف عن عمق التمازج أو التباين الحاصل بين السياسات والممارسات ودور التشريعات في حسم مسائل التباين أو الفجوات المتوقعة، فيستحضر في حديثه موقع السياسات التنموية الوطنية الناضجة التي تقرأ توقعات المواطن وتتفوق عليها، لتثبت له أن الحكومة تفكّر في السيناريو المقترح ذاته، وتتحدث عنه بطريقة تستوعب كل وجهات النظر المقدمة، وما يدور في فكر المواطن من تنبؤات قادمة، بما يصنع من لغة خطابه قوة عمل قادمة وثقة اكبر في المنجز المؤسسي والتفافا مجتمعيا مع الرؤية الوطنية، في ظل المامه بالمفاهيم والموجهات الخطابية التي يمارس فيها دور الفاعل والمؤثر، والاحتواء والاستيعاب للتحولات الحاصلة في المجتمع، ويقرأ في جمع الأشخاص الذين يتابعونه ويستمعون له، فراسة المشتركات بينهم والمختلفات التي تبرز في تساؤلاتهم ونقاشاتهم مساحات الذاتية من غيرها، فيضعها كمحددات في قراءته وتصوره لرؤية مبينات في موضوع حديثه، كما يفهم التلميحات ويستدرك ما يترتب على حديثه من احتمالات التفسير والتأويلات، إذ من شأن فهم هذه المعطيات القدرة على بناء حوار وطني تتناغم فيه الرؤى وتتكامل فيه مسارات العمل المشترك ويتقاسم فيه الجميع مسؤولياتهم كل في نطاقه واختصاصاته، في الدفع بالجهود الوطنية للأمام، والإفصاح عن المستقبل المنظور الذي يتجه إليه العمل القادم.
إن لقاء معالي الدكتور وزير التجارة والصناعة الموقر بجامعة السلطان قابوس وحديثه حول اتجاهات الاقتصاد العماني بادرة ” رجل دولة” تستحق الشكر والتقدير والتحية والاعتراف بقيمتها المضافة على صعيد حوار الشباب، كونها فرصة لبناء مفردة ثقافة التعامل المباشر مع المسؤول والتواصل بين ممثلي الحكومة والمواطنين أو القطاعات وما تطرحه من توجهات وتحولات إيجابية في الساحة الوطنية، ويفتح المجال لتمكين “رجل الدولة” من صياغة أنموذج وطني في التعامل مع القضايا التي تهم مبينات والمواطن، أو تطرح في تصوراتها رؤى اقتصادية بعيدة المدى يتشارك المواطن فيها مع متخذي القرار فرص البحث عن سيناريوهات عملها، ليصبح هذا التوجه ممارسة أصيلة لجميع رؤساء الوحدات الحكومية ” السلطة التنفيذية” في التعريف بها خارج المنصات البرلمانية “قبة مجلس عمان” أو البروتوكولات الرسمية، فينتقل إلى رحاب الجامعات ومراكز البحث والمحافل العلمية والثقافية والوطنية والتعليمية والاقتصادية والفكرية والاستراتيجية والبحثية والابتكارية متحدثا ومحاورا ورئيسا لجلسات، في لغة تتسم بالشفافية والوضوح والاحترافية في الطرح والدخول في عمق المؤشرات الوطنية وأعماق مشاعر المواطن العماني للوصول إلى قاسم مشترك يزيل الضبابية عن العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك ويفتح نوافذ الأمل عبر الحوار الواعي والنقد البناء والاعتراض المدعم بالشواهد والدلائل.
فهل سيستمر هذا النهج -الذي اعتقد شخصيا بأنه نافذة وطنية جديدة لمتخذي القرار ولكن وفق نُهُج وآليات أكثر نضجا ومهنية وواقعية – أم سيكون بداية النهاية في ظل ما رصدته منصات التواصل الاجتماعي من محبطات التفاؤل والتباينات في وجهات النظر التي أثيرت حول اللقاء وحكمت عليه في لغة الحديث ومفرداته ومصطلحاته،أكثر من اهتمامها بواقعيته وضرورته؟

Rajab.2020@hotmail.com

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق صحة وفوائد - شاهد.. كيف تعالج الهند الفيلة فى أول مستشفى لها؟
التالى بيتي - فوائد الخس لتنشيط الكبد و علاج القولون العصبي